mer. Mai 12th, 2021

PSU (Maroc)

Section France

المجتمع المدني المغربي بين اشكالية المفهوم و قصور الممارسة

1 min read

تطرح موضوعة المجتمع المدني كإشكالية تخترق بنية العقل المغربي من حيث الوعي و الثقافة والممارسة. إذ أصبح من المتداول أن نسمع عبارة فعاليات ”المجتمع المدني” و هو ما يعنى به المنظمات غير الحكومية و الجمعيات أو البنى العضوية، كالقبيلة مثلا في جنوب المغرب، و ما شابه ذلك دون أن نطرح تساؤلا حول ماهية المجتمع المدني أو ما الذي يدفع الناس لاستهلاك هذا المفهوم عبر جعله مرادفا لنوع معين من المؤسسات، بل أبعد من ذلك أصبحت مأسسة المجتمع المدني النمط الذي يتحرك وفقه المواطنون بعد أن تم إفراغ المفهوم من غاياته التي وجد لأجلها و عندما تم إحلال مكانه بنيات أخرى لا تنمو إلا تحت نظم سلطوية مغيبة من كل مظاهر الديموقراطية.

إن المجتمع المدني لا يجد فعاليته إلا داخل نظام ديموقراطي يفرض توازنا بين القوى و السلط، فهو الذي يشكل حيزا للتجاذب و التنافر مع الدولة الممثلة في مؤسساتها و بيروقراطيتها. لكنه لا يعمل بانفصال عنها و لا تقوم له قائمة خارجها، هي علاقة جدلية في جوهرها حيث يقوم كل طرف على نقيض الطرف الاخر. فالمجتمع المدني بدون دولة، ليس إلا سوقا محكومة كفيلة بمنع قيام أي حيز للمشاركة و التعاون، فهو بذلك يسير نحو التطبيع مع اللا مساواة و إقرار مبدأ الطبقية كأساس المواطنة و ليس التعاقد. و الدولة بدون مجتمع مدني، ليست إلا مجموع غايات النظام الحاكم و أداة لإقرار السلطوية، بل إنها وسيلة للدفاع عن المصالح السياسية و الاقتصادية لطبقة معينة من المجتمع المدني على حساب باقي المواطنين، و هو ما ينتج مظاهرا غير صحية و ممارسات، تفضي إلى حيز تشاركي بين الأفراد تعنونه مقولة هوبز 《الإنسان ذئب لأخيه الإنسان》، و هو ما يترجم بصورية القانون و شرعية كل أساليب الفساد المجتمعي.

أما المجتمع المدني الذي يقوم تحت رعاية الدولة المستبدة، لا يسعه إلا أن يكون مشوها حيث تنفصل فيه الممارسة السياسية عن الحياة اليومية ، و تصبح بذلك حبيسة الأحزاب التي تطرد طردا كليا من هذا المجتمع المختلق، إذ يرى فيها دكاكينا سياسية تنفذ أجندات أجهزة الدولة، و بالتالي تقتل عملية الدمقرطة التي لأجلها يوجد المجتمع المدني و لا يؤدي بذلك دوره كفاعل و عامل مهم لفرض توازن القوى داخل الدولة الكيان. هذا ما يفسر بالضبط الوضعية بالمغرب، لا أنكر أن جل الأحزاب نتاج لصناعة الدولة، لكن لا يجب أن ننكر و على ضوء تاريخ المغرب الحديث، أي من الاستقلال إلى الان، أن المعركة الحقيقية التي يمكن أن نخوضها مع النظام هي معركة كانت و لا يمكن أن تقوم إلا داخل كتلة سياسية متحركة تناضل من داخل المؤسسات الرسمية ، و تلعب لعبتها من خلال ما تم تحقيقه من مكتسبات عبر استغلالها و توسيع نطاقها إلى حد الممكن و المعقول. في هذا الصدد أستحضر تعريف المفكر محمد عابد الجابري لمفهوم الكتلة أو كما يطلق عليها “الكتلة التاريخية” استلهاما من المفكر الإيطالي “غرامشي”، إذ يصورها كالتحام بين القوى الشعبية الممثلة في الأحزاب و النقابات و القوى الاقتصادية و الهيئات و المؤسسات النابعة من رحم الشعب و ثقافته، والتي لها تأثير داخل المجتمع و نية حقيقة للإصلاح، بعيدا عن مفعولات الأيديولوجيات و العصبيات و نحو غايات كبرى، كإقرار الديموقراطية و العدالة الاجتماعية و التنمية و محاربة التبعية و ما إلى غير ذلك.

إن هذا التعريف لا يعكس سوى حقيقية ما يجب أن يكون عليه المجتمع المدني، فهو عقيدة و ممارسة وطنية يومية تعرف الخير العام و الفضائل بقوة و كثافة، و ليس مؤسسات مجمدة تخدم أيديولوجيتها بعيدا عن هموم المواطن، أو تناضل عنه بانغلاق تام و انفصال عن الواقع. لا يعد المغرب اسثناءا عن هذا الواقع المشوه، بل إن عزوف الشباب عن السياسة و كذلك تفضيلهم للجمعيات و المنظمات غير الحكومية بدل الأحزاب ليس إلا ترجمة للتضييق الذي يعاني منه المجتمع المدني و للصفة التي اكتساها هذا المفهوم، و كيف تلعب الدولة بكل أجهزتها على تقزيمه و الحد من مجال تحركه، و كذلك توجيه اهتماماته للعمل الخيري و المبادرات المشتتة هنا و هناك. أنا لا أنتقص من هاته المبادرات و لا يحق لي ذلك، بل أشجع تكثيفها و الانخراط فيها، لكنها ليست كفيلة بإحداث تغيير جذري للوضع الراهن، فلوحدها تظل عاجزة عن استحداث مجال مشترك و متين للتأسيس لدولة الحق و القانون، و لا تتحرك على صعيد كل الواجهات، بل إن نضالاتها تظل أحادية المقصد، و يمكنها أن تقوم داخل نظام استبدادي، لأنها لا تمس يده التي تطال حرية الأفراد و كرامتهم. فالمنظمات التي في جوهرها لا تشكل مقابلة للدولة، لا يمكن أن تتعارض معها و لا أن تسايرها، لأنها دائما ما تعمل بشكل مواز للمؤسسات التي من خلالها يستمد المجتمع قوته و يفرض ذاته. خلاصة للقول، إن المجتمع المدني ليس ممارسة حبيسة المؤسسات فقط، و ليس حيزا يقوم خارج الدولة، بل هو العقيدة التي تؤسس عليها المواطنة و التي تبني الفرد الحر الذي عبر تعاقداته ينتج مؤسسات للعمل داخل دهاليز الدولة و مؤسساتها. فالمجتمع المدني، هو ذلك التقابل الصريح مع أجهزة الدولة البيروقراطية و البوليسية، و هو أيضا تلك الرغبة و العهدة التي تحرك المواطن نحو إحقاق الخير العام داخل كتلة تقبل التجاذب و التنافر مع القوى التي تهدد استمراريتها و المظاهر التي تفسد قيامها.

عبد الرحيم سحيم – عضو الحزب الاشتراكي الموحد – فرع فرنس

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Copyright © All rights reserved. | Newsphere by AF themes.
Trending Now : PSU Section France
Lire les articles précédents :
شنو هي القضية الأمازيغية ؟ وفين وصلات ؟ مع أحمد عصيد

لطالما كانت القضية الأمازيغية محط تهميش ممنهج من طرف الدولة. الا انه في العقدين الاخيرين،...

Face aux dangers sociaux, sanitaires et écologiques, bâtissons un État social au Maroc

Face aux dangers sociaux, sanitaires et écologiques, bâtissons un État social au Maroc Il y...

علاش اقتصادنا ضعيف ؟

يعرف العالم أزمة صحية قد تكون لها تداعيات اقتصادية و اجتماعية كبرى و قد تنتج...

Fermer